أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
457
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« الذي خلقك من تراب » لا على أنه ضمير الشأن ، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك وليس بالبيّن ، وخرّجه الفارسي على وجه غريب ، وهو أن يكون « لكِنَّا » لكنّ واسمها وهو « نا » ، والأصل : لكنّنا ، فحذف إحدى النونات ، نحو : « إِنَّا نَحْنُ » * ، وكان حق التركيب أن يكون « ربّنا ولا نشرك بربّنا » ولكنه اعتبر المعنى ، فأفرد ، وهو غريب جدا . وقرأ أبو عمرو : « لكنه » بهاء السكت ، وقفا ، لأن القصد بيان حركة نون « أنا » فتارة تبين بالألف وتارة بهاء السكت ، عن حاتم الطائي : « هكذا فردى أنه » . وقال ابن عطية : « عن أبي عمرو ، روى عنه هارون : « لكنّه هو اللّه » بضمير لحق « لكنّ » . قلت وظاهر هذا أنه ليس بهاء السكت ، بل تكون الهاء ضميرا اسما ل « لكنّ » ، وما بعدها الخبر ، ويجوز أن يكن « هُوَ » مبتدأ وما بعده خبره ، و « هُوَ » وخبره « لكنّ » . ويجوز أن يكون تأكيدا ، وأن يكون فصلا ، ولا يجوز أن يكون ضمير شأن ، لأنه حينئذ لا عائد على اسم « لكنّ » من هذه الجملة الواقعة خبرا ، وأما في قراءة العامة فلا يجوز أن تكون « لكنّ » مشددة عاملة ، لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع ، وقرأ عبد اللّه : « لكنّ أنا هو » على الأصل من غير نقل ولا إدغام ، وروى عنه ابن خالويه : « لكنّ هو اللّه » بغير « أنا » وقرىء أيضا : لكنّنا » ، وقال الزمخشري : « وحسّن ذلك إثبات الألف في الوصل ، وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة » ونحوه ، يعني : إدغام نون « لكنّ » في نون « نا » بعد حذف الهمزة قوله : 3196 - وترمينني بالطّرف ، أي أنت مذنب * وتقلينني ، لكنّ إيّاك لا أقلي « 1 » الأصل : لكنّ أنا ، فنقل وحذف وأدغم . قال الشيخ « 2 » : ولا يتعين ما قاله في البيت لجواز أن يكون التقدير : لكنني ، فحذف اسم لكنّ ، وحذفه لدليل كثير ، وعليه : 3197 - فلو كنت صبّيا عرفت قرابتي * ولكنّ زنجيّ عظيم المشافر « 3 » أي : ولكنك ، وكذا هنا : ولكنني إياك . قلت : لم يدع الزمخشري تعيّن ذلك في البيت حتى يردّ عليه بما ذكره . ويقرب من هذا ما خرّجه البصريون في بيت استدل به الكوفيون عليهم في جواز دخول لام الابتداء في خبر « لكنّ » وهو : 3198 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * ولكنّني من حبّها لعميد « 4 » فأدخل اللام في خبر « لكنّ » ، وخرّجه البصريون على أن الأصل : ولكن إنّي من حبها ، ثم نقل حركة الهمزة « إنّي » إلى نون « لكنّ » ، بعد حذف الهمزة ، وأدغم على ما تقدم ، فلم تدخل اللام إلّا في خبر « إنّ » ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية ، وإلا فقالوا : إنّ البيت مصنوع ولا يعرف له قائل والاستدراك من قوله : « أَ كَفَرْتَ » كأنه قال
--> ( 1 ) البيت في شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 140 ) ، المغني ( 1 / 76 ) ، شواهد المغني ( 83 ) ، الهمع ( 1 / 148 ) ، الدرر ( 1 / 207 ) ، معاني الفراء ( 2 / 144 ) ، البحر المحيط ( 6 / 128 ) ، القرطبي ( 10 / 405 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 128 ) . ( 3 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 481 ) ، الكتاب ( 1 / 282 ) ، المحتسب ( 2 / 182 ) ، الخزانة ( 4 / 378 ) ، ابن يعيش ( 8 / 81 ) . ( 4 ) انظر ابن يعيش ( 8 / 62 ) ، الهمع ( 1 / 140 ) ، الدرر ( 1 / 116 ) ، العين ( 2 / 247 ) ، الإنصاف ( 209 ) ، الخزانة ( 4 / 343 ) ، وقال فيها : لا يعرف له قائل ولا تتمة ولا نظير .